الزاوية الثالثة

كتبهاعبدالله الحميري ، في 5 يوليو 2008 الساعة: 02:45 ص

خرج من قاعة الدرس واتجه إلى الحديقة حيث اعتاد أن يجلس على أحد المقاعد الخشبية المنصوبة على العشب الأخضر تظللها أشجار السرو والصنوبر، ويسري في نفسه شعور خفي حفل بالراحة والسرور يعوضه عن البحوث الجافة في الفلسفة، أو الاجتماع التي يلقيها المحاضرون بوتيرة متماثلة ومتشابهة، وكأنهم يؤدون طقوسا دينية لا تتغير ولا تتبدل.. كثيرا ما ساءل نفسه بخصوص اختياره هذا القسم من كلية الآداب، وإصراره عليه على الرغم من معارضة عمه الشديدة الذي طالما شجعه، ودفعه إلى دراسة الطب أو الهندسة في أية جامعة يختار، وإن كان زيّن له محاسن الجامعات البريطانية أو الأمريكية .‏

عمه مازال غاضباً منه رغم مرور عدة شهور على مغادرته عمان إلى دمشق، والتحاقه بجامعتها، ولم يجد مبرراً لذلك إلا التأثير المباشر والانطباع العميق الذي غرسه في ذاكرته أستاذه في مادة الفلسفة في الثانوي.. وأثناء توارد هذه الأفكار في مخيلته هبت ريح خريفية خفيفة، حملت معها الأوراق المتساقطة وتلاعبت بها بين شجيرات الورد الشامي، الذي يضفي مشهداً رائعاً للمكان…هل كان قراره صائباً في الاختيار أم أن هناك أموراً لها تأثير حاسم في مسار حياة الإنسان لا يملك إزاءها شيئاً..؟ صديقه نزيه سجل في كلية الهندسة، أما نسيم فقد التحق في كلية الطب.. لماذا تشبث برأيه الذي لا يعول عليه كثيراً في حياته العملية ..‏

لقد كان له حرية الاختيار ولكنه لم يسمح حتى بمناقشة الموضوع أو إعطاء أية فرصة لتغيير رأيه… وتبخرت آمال وطموحات عمه أمام ذاك العناد وتلك القناعات التي أصبح أسيرها.‏

أكثر ما أثار استغرابه وجود ثلاثة راهبات معه في قاعة المحاضرات، يأتين معاً في توقيت دقيق ويذهبن معاً..حتى مقعدهن الدراسي أصبح معروفاً في الصف الأمامي والكل يحترم عدم الجلوس عليه طالبات يشاركن بفعالية ملفتة عندما يفتح الأستاذ المحاضر باب النقاش حول موضوع ما .‏

لم يكن ثمة تزمت في مداخلاتهن، وقبولهن للرأي الآخر برحابة صدر عكس نفسه بالمودة التي أبداها جميع طلاب الصف نحوهن، أما ما لم يفهمه هو اختيارهن لدراسة هذه المادة الصعبة والتي يجدها متعبة حسب رأيه…‏

جالت في داخله مشاعر هزته عميقاً . إنه الآن وقد وضع كل الاحتمالات يعود بالذاكرة إلى الماضي، ذاك الماضي أقنع الآخرين أنه يملك إصراراً على دعم رأيه ويتشبث به، ويجعله يرفض أن يكون مهزوماً.‏

وبينما كان يحسب الحسابات ويضع لكل خطوة احتمالاً تذكر ذاك الماضي.‏

لا يستطيع أن يفكر، أن اهتمامه كان كثيراً ما يتوجه نحو تلك الفتاة المثيرة لمى والتي كانت تأتي كل يوم بلباس مختلف، يكشف من مفاتنها أكثر مما يستر ولا تأبه بأحد، وإذا ما ألقت التحية يوماً على زميل لها، نسج حولها قصة خيالية لا يمل تكرارها..‏

ماذا يهمه من مقولة ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود) الذي أمضى الدكتور اليافي ساعة كاملة وهو يوضح تلك المقولة . في الحقيقة لم يترسب في ذهنه شيء ذو أهمية، وهو شارد بعيداً يفكر باصطحاب لمى إلى الكفتيريا، ويفكر بالطريقة التي يبدأ بها الحديث …لماذا لا يمتلك الجرأة على الاقتراب منها. إن طلب دفتر محاضراتها ستعرف حتماً أنها حجة للحديث معها..قد تتجاهله، أو تشيح بوجهها عنه، وفي هذا لطمة قوية لا يستطع تحملها.. لا، لا إن شاباً وسيماً مثله لا تخذله فتاة لمجرد إعجابه بها ومحاولته التعرف عليها.. ولكن ماذا سيقول أصدقاؤه إذا حدث العكس..وكسفته أو تجاهلته..حتماً لا يستطيع أن يتحمل ذلك.‏

أبداً مشاعره لم تكن بالود نفسه وهو يستعيد أيام دراسته الابتدائية في مدرسة الراهبات الناصرية، وكيف رفض أن يتزحزح من مقعده في الصف الأول، عندما طلبت منه معلمته ذلك، لتجلس مكانه زميلاً له بلا سبب باستثناء أن والده يعمل في مركز حكومي مرموق. وكيف لاحظ رغم صغر سنه آنذاك أن أبناء وبنات الأغنياء يحتلون الصفوف الأولى، وأبناء الفقراء في الصفوف الخلفية، ورغم عناده الذي اندهشت له معلمة الصف فإن الألم الذي اعتصر أذنه من ضغط أصابعها دفعه إلى النهوض والامتثال لأوامرها في الجلوس في مقعد آخر. صحيح أن والده لم يكن من أثرياء المدينة أو ممن يغدقون في تبرعاتهم الخيرية، و لكنه كان رجلاً مهنياً محترماً في أوساط العائلة، وبين معارفه وأصدقائه، إلا أن عمه في المقابل كان من كبار التجار المعروفين يمتلك عقارات وأراض شاسعة يجهل مكان بعضها..وكان يحرص على كسب ود رجال الدين والمساهمة في مشاريعهم الخيرية، إلا أن ذلك كله لم يشفع له أمام معلمته التي لم يعرف حتى اللحظة سبباً لسلوكها ذاك وتمييزها الذي لم يمح من ذاكرته رغم مرور السنوات الطويلة.. تلك الصورة لازمته وهو يحسب ما عسى أن يكون تصرف لمى معه، وهو المعتد بنفسه بين أقرانه..هذا أسلوب سخيف لا يقبل به .‏

ونهض متأبطاً كتبه وتوجه إلى كافتيريا الجامعة حيث تنتظره شلة من رفاقه الذين بادروه الاحتجاج على تأخره عن موعده معهم..كان النقاش صاخباً حول مؤتمر اتحاد الطلبة وتقييم الأسماء التي طرحت نفسها، لانتخابات الهيئة الإدارية لفرع الاتحاد، وممثلي المؤتمر العام، الذي تقرر عقده في الصيف القادم. القوى السياسية النشطة في القطاع الطلابي تسعى لكسب العناصر المستقلة، وعلى الرغم من أن البعثيين يمثلون المفتاح الرئيسي لإنجاح أية قائمة طلابيه، إلا أن التعليمات الحزبية المشددة في التحرك والنشاط، ومتابعة التطورات والمتغيرات, واتجاهات التيارات الأخرى مهمة ضرورية لدرء أية مفاجأة أو خطأ في الحسابات قد تقود إلى هزيمة لا يمكن قبولها وسيحاسب المسؤولون عنها.‏

كان يعرف في قرارة نفسه أنه وجه طلابي محبوب، خاض التجربة خلال السنوات الأربع الماضية، ولم يفشل في أي منها بل على العكس من ذلك كان يحصل على أعلى الأصوات حتى تكاد أن تكون تامة. حتى خصومه السياسيون لم يسمح لخلافاتهم معه أن تؤثر على علاقاته الشخصية بهم فخلال رئاسته لاتحاد الطلبة في السنتين الأخيرتين لم يبخل بمساعدة أي زميل له، وجعل من مقر الاتحاد منتدى يمارس فيه الطلبة مختلف النشاطات الاجتماعية والثقافية والرياضية.‏

ولم يكن يسمح لمحاولات بعض رفاقه في الحزب أن يستأثروا بالفعاليات الطلابية على حساب الآخرين.‏

تلك المداخلة بينه وبين نفسه عن تجاربه و نجاحاته وصدق تفاعله مع زملائه دون استثناء أنسته أنه أمام رفاقه الذين انتظروه للتنسيق والإعداد والاستعداد. لامه الرفاق لتأخره متسائلين :‏

_ ألا ترى أن موعد مؤتمر الفرع بعد ثلاثة أيام ولم نُسَمِ قائمتنا بعد..‏

_ نعم أعرف، حقاً لقد تأخرنا.‏

_ من هي سعيدة الحظ التي أنستك الموعد ؟‏

_ يا جماعة ما هذا الهزار، لم أتأخر إلا قليلا ..‏

_ أنت بالذات يجب أن تكون حاضراً قبلنا..‏

_ لابأس، أرجو المعذرة…‏

_ إنها معركة ويجب أن نفوز بها ..‏

_ لا ليست كذلك ..إنها تنافس ديمقراطي..والجدير بتمثيل القاعدة الطلابية هو الرابح عن حق..‏

_ أنت طوباوي في تفكيرك، إنهم ينشرون الإشاعات والأقاويل الكاذبة، ولا يحترمون مناقبية العمل الطلابي..‏

_ هذا دليل ضعفهم ولن تنطلي محاولاتهم إلا على الأغبياء، زملاؤنا محصنون بالوعي ولا سبيل إلى خداعهم.‏

وتساءلوا أين قوته لدرجة أن ثقته بانتصاره في الانتخابات كبيرة، آه….إنه يعرف كيف يداوي جراح الآخرين، لم يكن يوماً ضبابياً في مواقفه، إنه جريء في طرحه يقول ما يرضي الجميع ويتصرف حسب رغبة الجميع، وكثيراً ما كان يصطدم مع قيادته التي تنقل له احتجاج بعض المتزمتين وشكاواهم، وكان يجد دائماً الردود المقنعة التي لا يملك أحد إلا قبولها، بل والثناء عليها..هو يعرف تماماً أنه استطاع أن يؤثر كثيراً في مسيرة الحركة الطلابية الأردنية في جامعة دمشق، وأن ينقلها من حالة التقوقع والركود إلى حالة تضج بالحركة والنشاط والحياة، وحتى القوى السياسية التي كانت تعزل نفسها عن المشاركة والتفاعل لم تجد مناصاً من تغيير موقفها والانخراط في العمل الطلابي الذي شهد نشاطاً واسعاً ونوعاً من التنافس الشريف على استقطاب القاعدة الأوسع في الساحة الطلابية.‏

ولكن ثمة شعور بالقلق ينتابه بين حين وآخر فالمؤتمر العام يختلف عما سبقه من المؤتمرات إنه يخشى التوقعات غير المحسوبة . رغم شعبيته الواسعة وقدرته على الإقناع و مزايا شخصيته المحببة فالمتغيرات السياسية على صعيد الحزب أدت بالضرورة إلى انقسام التنظيم الطلابي.‏

وكثير من رفاق الأمس، أصبحوا خصوماً اليوم، وهم ينشطون في الاتجاه المعاكس لإثبات حضورهم، والاستئثار بأكبر عدد من المقاعد لقيادة الحركة الطلابية.‏

إنهم الأكثرية عدداً ولكنه يعرف نقاط ضعفهم إنها التزمت والانغلاق على أنفسهم، وحجب أية محاولة للانفتاح على القوى الأخرى، وإدعاء ملكهم للحق والصواب دون غيرهم، تلك لن تكون في صالحهم حتماً،وهو قادر بالتأكيد على تشكيل محور تلتف حوله كل التيارات الأخرى وسيثبت لهم تهافت طروحاتهم وعجز ممارساتهم التي لا تلقى صداً إيجابياً.. كان واثقاً من نفسه ولكن لم يسمح أبداً للغرور بالسيطرة عليه..‏

عندما انتسب إلى صفوف البعث كان فتى يافعاً في المرحلة الثانوية، لم يتجاوز عمره السادسة عشرة. لم يكن وقتها يدرك أكثر من شعارات عامة، حماسته المفرطه في تنفيذ المهمات الحزبية، وتوزيع النشرات التي يصدرها الحزب كادت أن تقوده إلى الاعتقال، لولا بعض الحظ ،ومهارته في التخفي عن أعين رجال المباحث التي لا تتسامح أبداً مع أية شبهة أو شك .‏

إن انتقاله من بيئة إلى أخرى، ومن العمل السري إلى العلني، والظروف الجديدة التي وفرتها الحياة الجامعية في دمشق. طورت وعيه كثيراً فكرياً، وثقافياً، وسياسياً، ساعده في ذلك أيضاً تخصصه في دراسة الفلسفة والاجتماع وملكة خطابية رائعة يترجمها صوته الجهوري إلى فعل مؤثر في نفوس المستمعين.‏

وهذا ما زاد من شهرته في الوسط الجامعي.. لم يكن أحد يعرف من أفراد عائلته ارتباطه بالحزب، ويوم أصر على استكمال دراسته الجامعية في دمشق راود عمه الشك بعد أن فشل في إقناعه باختيار أي بلد أوروبي. وتركه غاضباً دون أي وعد بمساعدته. ليس نادماً هو بالتأكيد وإن عانى من بعض الصعوبات المادية، فالمنحة الجامعية التي يتقاضاها والقليل مما يرسله والده تكاد لا تكفي مصروفه الشهري، وهو الذي يعرف بكرمه بين أقرانه. لقد كان ذلك اختياره وعليه تحمل تبعات ذلك ..‏

انسحب من الجلسة معتذراً لإعداد كلمته التي سيلقيها في المؤتمر وعلى باب الكافتيريا التقى زميلته مريم البحرانية بابتسامتها الرقيقة المعهودة، حيته بحرارة وذكرته بحفلة عيد ميلادها ليلاً..‏

_ لا تنسى الموعد اليوم، الشلة بانتظارك..‏

_ وهل يمكن أن أنسى يوماً سعيداً كهذا..؟‏

_ يهمني أن تكون أول الحاضرين.‏

_ في الثامنة مساء سأكون في حضرة الأميرة الخليجية..‏

وافتر ثغرها عن ضحكة عالية لبث صداها في مسامعه وهو يدلف باب الجامعة الخارجي متوجهاً إلى موقف الحافلة التي تنقله إلى بيته.. أوشكت أشعة الشمس أن تلملم خيوطها عن الذؤابات العالية لأشجار الكيناء، على جانب الطريق النازل والمصطفة بهندسة رائعة، وكأنها أضحت جزءاً من المتحف الوطني المقابل لها، بينما تترقرق ساقية مياه جارية فصلها بردى عنه لتنساب بحرية وهدوء وتبعث في النفس شعوراً غامضاً بهيجاً ربما هو سر من أسرار هذه المدينة الجميلة التي تأسر العابرين فيها..‏

كانت الحافلة تكتظ بالراكبين معظمهم من طلاب وطالبات الجامعة وقد وجد مقعداً بصعوبة، هيكلها الخارجي، ومقاعدها القديمة يستدل منها أنها تعود إلى الخمسينات، وتتهادى في مسيرها كحصان أشرف على نهاية الخدمة.. اجتازت الحافلة محطة الحجاز والقصر العدلي، وعبرت سوق مدحت باشا المسقوف بصفائح الحديد، حيث تنتشر روائح البهارات القوية المنبعثة من محلات العطارة، التي يشتهر بها. ومن نهايته عبرت حارات دمشق القديمة حتى الباب الشرقي خط سيرها الذي لم يتغير منذ عشرين عاماً حسب تقديره.. منذ صعوده إلى الحافلة وحتى نزوله إلى بيته في جادة جعفر اختلطت في ذهنه أفكار مبعثرة.. الهدية التي سيختارها لزميلته البحرانية.. قلم، كتاب، كنزة، البوم صور.. هي تعرف أنه لا يستطيع شراء هدية غالية الثمن وهي لا تحتاج شيئاً ومصروفها الشهري يعادل ما ينفقه في عام.. سيلف القلم بأوراق زاهية كثيرة كي تبدو هدية كبيرة، وعندما تفتحها ورقة بعد أخرى ستضحك كثيراً وهذا ما يسعدها.. لينسى إعداد الكلمة اليوم وهموم المؤتمر والانتخابات فمناسبات المرح واللهو لا يستطيع إغفالها فكيف إذا كان عيد ميلاد زميلته الرائعة..‏

ودخل غرفته.. وتناول قصاصة ورق مدسوسة من شق الباب التقطها بلهفة.. لا أستطيع أن أراك اليوم، الياسمينة ستبقى وحيدة لن أعبث بزهورها التي تحبها أتمنى لك وقتاً سعيداً.. أميرة..‏

طواها بحنو في جيبه واستلقى على سريره، ثمة شعور بالكآبة تسلل إلى نفسه.. نظر إلى السقف الخشبي، والجدران الصامتة ولوحة قديمة لحارة دمشقية تشعره بألفة غامضة.. الزقاق الضيق والبيوت المتقابلة تعانق بعضها بعضاً.. والباب الخارجي الصغير يقود إلى فناء واسع تتوسطه نافورة رخامية رائعة ينسكب ماؤها الفضي في الحوض المرمري وكأنه من عشرات السنين لم ينقطع، أشجار الليمون والنارنج تظلل الغرف المتجاورة وكأنها شيدت أيام الأمويين أو العباسيين.. أما أكثر ما يثير دهشته، تلك الياسمينة المعلقة على السطح تنشر روائحها العطرة مع كل هبة هواء .كم يحب أهل هذه المدينة.. أشجار الياسمين.. كأن هناك علاقة سحرية بينها وبينهم. في ظلها تنتظر حبيبته حتى تستقبله بابتسامة وترميه بضمة من زهورها البيضاء الغضه..‏

إنه محظوظ بلا شك بالسكن عند هذه العائلة اللطيفة التي تجاور بيت حبيبته، لم يشعر يوماً أنه غريب بينهم، و لم تمر فترة قصيرة حتى أحس أنه فرد منهم.. ليس صحيحاً ما قيل يوماً أن العائلة الشامية منعزلة أو متزمتة.. فالعادات والتقاليد متشابهة ولا توجد فروق تذكر.. لو كانت معه أميرة في الحفلة الليلة.. كم يكون ذلك جميلاً.. لابد أنه سيكون محط غيرة الجميع.. فوجهها يزيده انجذاباً كلما نظر إليه.. وعيناها لا يمكن لأحد أن ينجو من أسرهما، وشعرها المنسدل على كتفيها لا يستطيع مقاومة إغراءه، وابتسامتها تنثر فراشات ملونة في كل اتجاه، أما صوتها الساحر وحديثها المشبع بثقافة عالية تجعلها فتاة استثنائية بكل المقاييس.. ربما يكون ذلك مبعث الرقابة الدائمة التي تفرضها العائلة عليها.. هو لا يعرف تماماً ذلك السر الخفي الذي يهز كيانه كله كلما التقى بها، كثيرات هن صديقاته ولكنها وحدها تأخذ كل تفكيره، لا يعرف تفسيراً لذلك إنها مشاعر تنغرس في الذات لا تحتاج لمقاييس من أجل فهمها..‏

حلبة الرقص في الكاف دي روا تكتظ بالراقصين وموسيقى الجاز العالية تفرض ايقاعاتها السريعة، لا يمكن لك أن تتوقف قبل أن تستنفذ قواك.. ومريم التي استقبلته بترحاب حار أشارت إلى وقف الرقص وسارعت إلى فتح هديته وأصدقاؤها وصديقاتها يراقبونها بلهفة والضحكات تجاوزت صوت الموسيقى بعد أن نزعت الغلاف الأخير.. وسحبوه إلى ساحة الرقص.. الحركات سهلة ولكنها عنيفة وسريعة وهو يعشق هذه المناسبات القليلة التي يتاح له حضورها وهو يعتبر ذلك متنفساً للطاقات الهائلة التي يختزنها الشباب وتعبيراً عن ممارسة حضارية يجمع هؤلاء الأصدقاء في جو احتفالي جميل.. معظم رفاقه في الحزب يستهجنون هذه المظاهر ويعتبرونها تقليداً برجوازياً مرفوضاً ولكنه لم يكن يعبأ برأيهم بل كان يجده متخلفاً وكثيراً ما جابه المتزمتين منهم لإقناعهم بصواب نظرته .‏

الفن كالحياة وليس ملكاً لشريحة اجتماعية دون أخرى، أن نلهو ونمرح على أنغام موسيقى الجاز أو على صوت ناي أو طبلة لا فرق.. وهو يعرف أن بعض المعقدين يتهامسون فيما بينهم ويشككون بصدق انتمائه للحزب كونه ابن عائلة برجوازية رغم أن والده متوسط الحال لا يكنز ذهباً أو فضة ولا يملك أراض شاسعة أو عقارات كبيرة. ما ذنبه إذا كان عمه أو أقرباؤه من أغنياء عمان المعروفين.. إنه تفكير عاجز لا يستحق التوقف عنده أو مناقشته..‏

توقف إيقاع الموسيقى الصاخب، وانسابت نغمات هادئة شجية بلحن حالم.. أين تلك الأيام يا أصدقائي.. وخفتت الأنوار وكأن لمسة سحرية أخمدت ذلك الصخب الماجن.. تعانقت الأيدي وتلاصقت الأجساد وتلاشت الفواصل بينها وسرت وشوشات خافتة تعطرها أنفاس الصبايا العاشقات.. مجموعة فريدة من الشباب والشابات من المنامة وعمان ودمشق ومصر وتونس والخرطوم ونابلس والدار البيضاء.. كم هو جميل ذلك.. إنها حفلة رائعة.. كان شارداً ويده تطوق خصر صديقته مي التي كانوا يدللونها مايا وعيناه تراقبان الأضواء المتحركة وهي ترسم دوائر ملونة على أرض الصالة المرمرمية، فتزيده خشوعاً واستغراقاً أمام نظرات عينيها الخضراوين.. إنها صديقة مميزة ولكنه يدرك أن علاقتهما لن تتجاوز ذلك، رغم ما تبديه من عواطف جياشة نحوه وهو في وضع لا يفكر فيه بالارتباط بفتاة مثلها لا تخفى على أحد هيئتها الأرستقراطية، رغم محاولاتها إخفاء ذلك بالتقرب لمنابت اجتماعية مختلفة وحفظ المفردات الثورية والدفاع عنها..‏

تتقن الفرنسية والإنجليزية أكثر من العربية. أرسلها والدها إلى مدرسة داخلية في بيروت محصورة بأبناء النخبة من طبقة الأثرياء والأمراء والشيوخ ولم يكن يرغب بعد أن أنهت دراستها الثانوية أن تلتحق بجامعة دمشق، إلا أن والدتها أصرت على ذلك لتبقى قريبة منها.. الخدم والحشم رهن إشارتها، ومربيتها الفرنسية، ومعلمتها العزف على البيانو، ترافقها في أكثر طلعاتها خارج البيت، ورغم أنها تحتفظ بصور غيفاراإلى جانب صور ممثلها المفضل الان ديلون وتحفظ عدداً من الجمل الثورية إلا أن ذلك ليس إلا نوعاً من ممارسة ترف فكري مختلف، نمط من أنماط السلوك المغاير لوضعها العائلي، هو متأكد أن انجذابها إليه لا يعدو مرحلة عابرة سرعان ما تنسى أمام حقائق الحياة.. ألقت رأسها على كتفه وهو ساهم لا ينبس بكلمة.. لماذا تتداعى كل هذه الأفكار في مخيلته في هذا الجو الرومانسي الحالم .‏

كثيرون يتمنون أن تتحدث معهم مجرد حديث، وهي تغفو بين يديه على حلبة الرقص، وحرارة جسمها تلفح جسمه كله بحنان ونشوة.. لو كانت أميرة معه الليلة لانصهرا معاً، وذابت كل الفواصل التي تحد من علاقته معها.. ومع صوت الأغنية الفرنسية الثلج يهطل صمتت الوشوشات والهمسات ولم يعد هناك سوى قلوب تخفق وأقدام تنتقل بخفة و بطئ، وعيون حالمة، ترجو أن يستمر ذلك، لوقت طويل.. وفي اللحظة التي انتهت الأغنية، انطلقت الموسيقى سريعة الإيقاع، وانسحب الجميع إلى ركنهم في الصالة إلا مايا التي لم يجد بداً من مجاملتها في رقصتها المفضلة والتي لا يعرف من حركاتها إلا القليل مما دربته عليه وهي التي تعشق لحن الدانوب الأزرق لشتراوس، والتي لا يمكن لها أن تنتظر موافقته.. كانت تلف وتدور وتنقل خطواتها بخفة فراشة ربيعية، حاول مجاراتها وكاد أن يكمل الرقصة لولا تعثره وسقوطه على الأرض ساحباً إياها معه، ولكن سرعان ما رفعته وسط ضحكة مجلجلة أنسته خجله وارتباكه وتابعت الرقصة، لم تسمح له حتى بالاعتذار.. كانت لاهية وسعيدة وردت تحية الساهرين الذين صفقوا لها بحرارة، بابتسامة وادعة بينما أفراد الشلة يصفرون ويصيحون.. برافو.. برافو مايا..‏

في طريق العودة إلى البيت ساروا مشياً رغم المسافة الطويلة من حي الشعلان إلى باب توما، كانوا سعيدين بالحفلة الراقصة التي جمعتهم مع صديقاتهم وأصدقائهم ولم تكلفهم شيئاً، فقد أصرت مريم على دفع تكاليفها كاملة، ولم تسمح لأحد المساهمة ولو بليرة واحدة.. كانوا يثرثرون ويضحكون، والشوارع خالية لا يعكر هدوءها سوى عبور بعض السيارات المسرعة..‏

_ كانت ليلة جميلة .قال نسيم .‏

_ لا إنها رائعة.أجابه نزيه وتابع موجهاً حديثه إلى عاصم:‏

_ ولكنني أعتقد أن أمين الشعبة سيغضب فيما إذا عرف بسهرتنا هذه الليلة.. إنه متزمت ويرى أن ذلك سلوكاً برجوازياً علينا تجنبه ..‏

أجابه عاصم :‏

_ إذا كان ذلك تفكيره، فهو ساذجٌ لا يحق لأحد التدخل في حياتنا الخاصة، إذا كانت لا تؤذي الآخرين أو تزعجهم ..‏

قال نزيه :‏

_ إنه يدين هذه المظاهر ويعتبرها منافية للسلوك الحزبي السليم..‏

علق عاصم..‏

_ هراء.. الرقص كيف ما كان تعبير عن الفرح وحالة وجدانية في كل زمان ومكان .‏

تابع نزيه..‏

_ إنه متعصب لرأيه ولا يقبل النقاش في هذه الأمور .‏

رد عاصم..‏

_ هذه عقليّة متخلفة، إن لم تتطور تتجاوزها الحياة ..‏

قال نزيه :‏

_ المشكلة أنه صاحب قرار، وقد يوجه لنا تنبيهاً أو إنذاراً ..‏

رد عاصم..‏

_ إنها الحماقة بعينها، وكيف له أن يعرف بحفلتنا هذه الليلة..؟‏

تدخل نسيم قائلا:‏

_ افترض أنه عرف ..‏

وتدخل نزيه مقاطعاً ..‏

_ لا تفسدوا ليلتنا في هذا النقاش العقيم.. إنها حفلة لا تنسى، وقد زاد احترامي لمريم أحسست أنها تختصر صبايا الخليج فيها إنها أميرة حقاً ..‏

ورد عليه نسيم ..‏

_ جميعهن رائعات.. علينا أن نخطط لرحلة خاصة.. الرحلات التي يقوم بها الاتحاد جامدة الخجل والحذر يمنع الانطلاق، الكل يراقب وعليك أن تحسب كلماتك مع أية زميلة لك..‏

_ ما هذا يا نسيم ؟ أجابه عاصم.‏

_ هذه هي الحقيقة ألأنك رئيس الاتحاد تشجع الرحلات العامة، ألا تذكر المشكلة التي كادت تتحول إلى شجار عنيف لمجرد أن زميلنا حاول المزاح مع زميلته..‏

رد عاصم ..‏

_ أذكر ذلك، ولكني أعرف أنه علينا تطوير عقليتهم.. هناك نسبة كبيرة من زملائنا لم يعتادوا على أجواء الاختلاط والحياة الاجتماعية السوية..‏

تساءل نسيم ..‏

_ وهل مطلوب منا أن نغير العالم ..؟‏

_ نعم هذا واجبنا.. إن لم تساهم أنت وأنا والآخرون بالتأثير في محيطنا لا يحق لنا الانتماء إلى حزب تقدمي .‏

قال نسيم:‏

_ أنت مثالي في طروحاتك..‏

_ وهل الواقعية أن أستسلم لما هو قائم؟ بالعكس علينا أن ننطلق من هذا الواقع لتغييره، هناك كثير من الظواهر المرضية ولأننا نعي ذلك علينا أن نسعى للقضاء عليها أو على الأقل الحد منها ..‏

قال نسيم:‏

_ لا أستطيع أن أجاريك في النقاش، ولكني أرى ذلك حلماً بعيد المنال..‏

تابع عاصم :‏

_ أنت متشائم دائماً، نحن طليعة مثقفة وملتزمة، ونملك القدرة على التغيير، ليس بليلة وضحاها نمحو ما تراكم من ظواهر سلبية عبر مئات السنين..‏

أجاب نسيم ..‏

_ ربما أنت على حق، لا أدري..‏

لم يشعر أي أحد منهم بطول المسافة التي قطعوها، عند ساحة باب توما تفرقوا، وذهب كل منهم إلى بيته في الحارة نفسها، وكل يحمل أحلامه الخاصة..‏

***‏

ساد هرج كثير في صفوف الطلبة بعد فرز نتائج انتخابات فرع الإتحاد فقد نجح ستة ممثلين للقائمة الأولى التي تزعمها البعثيون، وثلاثة من قائمة المعارضة التي تمثل البعثيين السابقين والذين اعتقدوا أنهم يجمعون القسم الأكبر من القاعدة الطلابية.. وفسر البعض أن وجود عاصم على رأس القائمة الأولى هي السبب الأهم في حصولها على هذا العدد من الأصوات، والبعض الآخر أعادها إلى تجربة المستقلين مع الفردية والاستئثار التي كانت تحكم بعقلية من تبنوا المعارضة، أو ربما لردود فعل ثأرية أو شخصية ضد هذا أو ذاك.. ورغم أن هذه النتائج أعادت التوازن إلى مسيرة فرع الإتحاد في دمشق، إلا أنها لم ترض كثيراً قيادة الحزب، التي رأت في الفئة التي تمثل القيادة المنشقة والمتسلطة تشكل تحدياً، أو على الأقل عائقاً في قيادة القطاع الطلابي واستقطاب العناصر الجيدة التي تخدم مسيرة الحزب.. ولكن جو التسامح السائد، والمناخ الإيجابي الذي اتسعت دائرته مع الظروف الجديدة، لم يسمح بردود فعل قاسية من بعض الذين يعتقدون أنهم وحدهم يملكون الحقيقة، وأن الضرورة تقضي بكف يد كل من يحاول الإدعاء بغير ذلك .‏

في قرارة نفسه شعر عاصم بزهو وسرور بعد انتصاره في معركة الإنتخابات الحالية خاصة وقد راهن كثيرون على ضآلة فرصة نجاح قائمته.. فالتنظيم الطلابي الذي انشق عن الحزب تحت شعار الشرعية واليسار، كان يمثل الغالبية العظمى من الجهاز الحزبي. لم يبق معه إلا عدد محدود من رفاقه وأصدقائه يمكن الإعتماد عليهم.. وهكذا جاءت النتائج مفاجئة وخارج كل التوقعات ..‏

خرج المؤتمرون من قاعة كلية الهندسة إلى باحتها، وكل فريق يقيم النتائج من زاويته الخاصة، والتفت حوله مجموعة كبيرة من زملائه و اقترح أحدهم عليه الاحتفال في المطعم المقابل ..‏

- شاي وقالب كاتو وليس أكثر ..‏

- هذا غير لائق يا عصام‏

- ولماذا.. ألا يستدعي هذا الفوز أن تحتفل به‏

- إن هذا استفزاز بشكل ما لزملائنا الآخرين، علينا ألا نشعرهم بحجم خسارتهم ..‏

- أنت طيب أكثر من اللزوم.. لم يتركوا شيئاً سيئاً لم يتهمونا به، يمينين انتهازيين، منشقين، ألم تسمع هذه اللازمة التي ينشرونها في كل مكان ..‏

- لا بأس.. دعهم يقولون ما يشاؤون، نحن نعرف أنفسنا، وسيكتشفون وحدهم مع الوقت خطأ حساباتهم ..‏

وقاطعه زميل آخر :‏

- يا أخي مثاليتك هذه زائدة عن حدها، لو كانت النتائج لصالحهم كما خططوا، لحولوا هذه الساحة الى عرس، نحن لا نريد أن ندبك ونرقص، نريد أن نشرب الشاي فقط.. ياالله يا شباب ..‏

ولم يجد مناصا من الذهاب معهم، و إلا بقي وحيدا على قارعة الطريق ..‏

لم يمكث طويلا مع زملائه، وتعلل بموعد خاص، وخرج..‏

هناك من تنتظره بلهفة وشوق، مساءات دمشق تشعره بدفء غريب، هذه المدينة اسطورية ليست ككل المدن ..‏

لماذا يعشقها كل هذا العشق، شوارعها، بيوتها، أشجار الياسمين المتهدلة على جنباتها، ليلها ونهارها شمسها وهواؤها فتياتها وكأنهن خلاصة جمال صنعته حضارات مرت واستقرت في ربوعها.. هناك أسرار مغلقة لا نجد تفسيراً لها.. ألان له حبيبة فيها.. أميرة من أميرات دمشق مختلفة واستثنائية، يظن أنه لا يولد مثلها منذ قرون.. كانت تنتظره هناك تحت الياسمينة المزهرة على السطح، لم يعرف كيف قطع الدرجات الموصلة بسرعة خاطفة، رغم تعب نهار طويل، كانت ابتسامتها التي ارتسمت على ثغرها القرمزي، مغناطيسا سحريا هائلا، ضمها إلى صدره وقبلها قبلة عنيفة شعر أن حرارتها كافية لتحرق غابة مترامية الأطراف ..‏

- أنت بوهيمي يا عاصم لم تسلم علي بعد ..‏

- أتحرق شوقا إليك، أخشى أن أفقد اللحظة، ربما يأتي أحد بعد قليل.. وهل تعتقدين أنني قادر على ضبط أعصابي وأنت أمامي ..‏

- إنك تبالغ في مشاعرك نحوي‏

- ألا ترين كيف أتلاشى في عينيك، لا أبالغ يا أميرتي.. مشاعري لا أستطيع وصفها بالكلمات إنها حالة وجدانية صوفية لا يدركها إلا من يعيشها ..‏

- تأخرت كثيرا اليوم ..‏

- لا خيار لي لقد استمرت أعمال المؤتمر حتى العصر، و ها أنا بين يديك الآن..‏

- لم تخبرني عن النتائج.. طمئني..‏

ابتسم بثقة ..‏

- خمني ..‏

- لاشك انك فزت بالانتخابات.. أهنئك من كل قلبي ..‏

- شكراً.. عندما أكون معك أنسى كل شيء إلا أنت..‏

أنت نار خرافية تحرق كل من يقترب منها.. ضحكت بنشوة عارمة وشدت على يده..‏

- أنت جامح الخيال، تحاصرني في هذا الوصف الجميل، فأستسلم للحلم كل ليلة قبل أن أنام .. أحياناً اصدق نفسي أنني كذلك ..‏

- أحيانا ..ألا ترين إنك أسطورة. أسطورة إفريقية لو كنت هناك لأبتهل إليك أبناء الأدغال لتحمينهم من المجهول ..‏

لم تعلق وقطفت زهرة الياسمينة وقدمتها إليه ..‏

كانت الشمس الغاربة قد رسمت لوحة أرجوانية رائعة فوق ذرى قاسيون، والريح الخريفية ترحّل غيوما متناثرة عن سماء دمشق، وتشكل منظرا بانوراميا مذهلا لا تدرك روعته سوى أعين العاشقين ..‏

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : alhamyre, الحميري روايات, زوايا عبدالله الحميري, عبدالله الحميري زوايا , عبدالله عبدالقوي, مدونة عبدالله الحميري | السمات:, , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر